الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
11
مختصر الامثل
ثانياً : إنّ اللَّه هو وحده مصدر كل رحمة ، وهو الذي أوجب على نفسه الرحمة ، ويفيض بنعمه على الجميع : « كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ » . هذه الرحمة نفسها توجب أن يرتدي الإنسان - الذي عنده إمكانية الخلود - لباس حياة جديدة بعد موته في عالم أوسع ، تدفعه يد الرحمة في سيره التكاملي الأبدي ، لذلك يقول بعد هاتين المقدمتين : « لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيمَةِ لَارِيْبَ فِيهِ » . في نهاية الآية إشارة إلى مصير المشركين المعاندين وعاقبتهم ، فهؤلاء الذين أضاعوا رأس مال وجودهم في سوق تجارة الحياة ، لا يؤمنون بهذه الحقائق : « الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَايُؤْمِنُونَ » . الآية السابقة تشير إلى أنّ اللَّه مالك كل شيء يستوعبه ظرف « المكان » أمّا هذه الآية فتشير إلى ملكية اللَّه لما يستوعبه ظرف « الزمان » الوسيع وتقول : « وَلَهُ مَا سَكَنَ فِى الَّيْلِ وَالنَّهَارِ » . وفي نهاية الآية وبعد ذكر التوحيد ، تشير الآية إلى صفتين بارزتين في اللَّه فتقول : « وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ » . أي أنّ اتساع عالم الوجود ، والكائنات في آفاق الزمان والمكان لا تحول أبداً دون أن يكون اللَّه عليماً بأسرارها . قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 14 ) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 15 ) مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ ( 16 ) الهدف من نزول هذه الآيات هو إثبات التوحيد ومحاربة الشرك وعبادة الأصنام فالمشركون ، وإن اعتقدوا أنّ اللَّه هو خالق العالم ، كانوا يتخذون من الأصنام ملجأً لأنفسهم ، ولربّما اتخذوا صنماً لكل حاجة معينة ، فلهم إله للمطر ، وإله للظلام ، وإله للحرب والسلم ، وإله للرزق ، وهذا هو تعدد الأرباب الذي ساد اليونان القديم . ولكي يزيل القرآن هذا التفكير الخاطىء ، يأمر رسول اللَّه صلى الله عليه وآله أن « قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّموَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ » .